الاثنين، 15 يوليو 2013

حامض ... حلو


حامض ... حلو

يحتفل العالم بعيد الأم ويتبادل البوستات الخاصة بالأم وارسال الايميلات التي تمجد الأم والتي لا أنكر فضلها علي (رحمها الله). ولكنني أكتب هذه الكلمات لأنصف جدتي... وانا متاكد ان جميع من يقرأونها يؤيدون كلامي ويشعرون بشعوري.

جدتي ام سلمان.. رحمها الله لم تكن جدة فقط.. أعني أم أمي.. ولكنها كانت المرجع الأول لي في طفولتي للاثارة  من خلال سردها للحكايات الشعبية القديمة. ما زلت حتى الآن اسمع صوتها في أذني تروي لي حكاية "حديدون واخوانه" والتي تشابه قصة الخنازير الثلاثة. كم كنت أستمتع بالقصة واتمنى أن اكون الأخ الصغير "نخيلون" (الولد الفِتِح (بكسر الفاء والتاء) الذي ينقذ الموقف ويقضي على الغولة). لقد شكلت هذه القصة شخصيتي ولم تزل تتحاور مع تفاصيل حياتي.

لم تكن الحكاية هي سبب شغفي لزيارة جدتي، فبالاضافة الى القصة كانت جدتي تزيد من الاثارة بتوفير  ما لذ وطاب من "الزاكي" والذي كان آباؤنا يحرموننا منه لأسباب عدة منها للحفاظ على الأسنان، النوم الهاديء، تفادي وجع البطن، الحماية من النمل اللي ممكن يأكل طبلة أذنك، وغيرها من الأسباب التي كانت تنطلي علينا بكل سهولة ليس لغبائنا ولكن من الخوف. ولكننا كنا نعتمد على جدتي ام سلمان لتزويدنا بالملبس أو الحامض حلو (ملبس مغطى بالسكر الدقيق والذي يباع عند دكان أبو أحمد الصالحي الخمسة بقرش). تخيلوا ان ملبسة (تساوي خمس قرش أردني) تشكل احلام طفولتنا.

ولكنها ليست القصة او الملبس (ناهيك عن التوفي أو شوكولاتة مترو.. يا سلام.. ع العيد ما أحلاه تلك الأيام). أقول لم تكن القصة او الزاكي هو السبب في محبتنا لجدتنا. فقد كنت أذهب لزيارتها لأنها كانت تستمع لي وتحاورني وكأنني شاب كبير، او حتى رجل كبير. لم يكن آباؤنا يأخذوننا بمحمل الجد وغالبا لا الومهم بعد ان أصبحت أباً، حيث تغمرنا مشاغل الحياة بحيث نتلهى عن أبنائنا ونترك الفيس بوك يحاورهم. كانت جدتي الفيس بوك الخاص بنا، كانت سبونج بوب، وفلنستون، وباباي، كانت فلونة وسندباد ولكن ثلاثية الأبعاد.

ينتابني الأسى على أولادي لأنهم فقدوا جدتيهم باكرا ولم يعيشوا تلك السعادة. ولكن هل تعني لأطفال الفيسبوك جداتهم شيئا أم لا؟ رحلت جدتي منذ منتصف السبعينات وحل محلها التلفزيون، ثم الانترنت، ثم الفيسبوك... ولكن ما زلت أحِنُّ لحضن جدتي، لحنانها، ولطعم الحامض حلو المخبأ تحت سريرها أو بجارور النملية الخشبية. رحم الله جدتي واتمنى لكم ولجداتكم العمر المديد.  

  عماد أبو شنب

الأردن  - 15-7-2013

الأحد، 16 يونيو 2013

عين الشمس


عين الشمس

كنت مشغولا بتحضير طعام الغذاء لأبنائي عندما سمعت اغنية قديمة لشادية على محطة روتانا وهي "قولوا لعين الشمس ما تحماشي" وهي كلمات تعبق بالدفء والعاطفة الرقيقة الجياشة. فتخيلوا أن شادية تخاطب الشمس بأن لا تحمى (يعني تزيد حرارتها) لأن حبيبها سيسافر غدا صباحا (يعني خوفا عليه من ضربة الشمس). ثم تستطرد شادية بجملة أكثر حنانا بحيث تطلب من أسراب الحمام بأن يطير فوقه حتى يجعل من الشمس حريرا عليه. قمة النعومة وقمة الحب...

المفاجأة ليست هنا ولكن في المساء عادت زوجتي ومعها حماي (أبوها يعني بالعربي) والذي ينوي ان يبقى عندنا يومين... المشكلة ليست في بقائه يومين ولكن المشكلة كانت في اغنية شادية. عندما سمعني أغني الأغنية رماني بتلك النظرة الغريبة وكانه يقول لي "إخسوّ" (وهي كلمة عامية تعني خسئت). ثم قال بعد سكتة خفيفة توحي باللوم والعتب: لويه يا شين (شين لفظ كركي يلفظ كما نلفظ حرف الغين بالعربية ويعني شيء سيء – مصدره شائن) يا خاين لفلسطين (علما بانه كركي وأنا يافاوي) بتغني ها الأغنية الشينة (الرجاء الرجوع الى القوس قبل الماضي). لم أدري ما سبب تلك النظرة.. أهي بسبب أنني أغني أغنية حب وهو موجود (اتغزل بإبنته أمامه) أم لأني اغني أغنية لإمرأة أخرى وهو الأنكى (يعني فيها طخ على طول عند الكركية). وسألته: مالك يا أبو محمد انقمصت (لا أدري أصل هذه الكلمة) ولونك انخطف. فأجاب: هل تعرف ما هي هذه الأغنية؟ أجبت لا. قال هذه الأغنية لها ارتباط بالقضية الفلسطينية، ففي نكسة 1967، كان موشيه دايان يغني الأغنية استهزاءا بالجيوش العربية التي فرّت مشيا تحت أشعة الشمس بأسلحتهم او بدونها.

كنت في قمة هيجاني العاطفي الرقيق حين إنقلبت الى شخص مكسور، مهزوم، محطم. لم أعرف ما الذي حصل ولماذا الشعوب العربية مكتوب عليها البؤس. فلا يتم ترقية الانسان إلا بطلوع الروح، ولا يتم الحصول على الراتب حتى تتجاوز جميع اعتاب وأبواب المسؤولين وتتحمل تهديداتهم ووعيدهم. وأخيرا، حتى عندما تغني اغنية رقيقة، يأتي من يقلبها على رأسك مأساة.

بهذه المناسبة، قولوا لعين رئيس الوزراء ما تحماشي... لحسن جميع الشعب صابح ماشي.. يعني ماكلة هوى ومش محتاجة أكثر رفع أسعار. يتفطر القلب حين أشتري كيلوا البندورة بــ 80 قرش!

لا حول ولا قوة إلا بالله.

  عماد أبو شنب

الأردن  -  17-6-2013

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

التعليم العالي الى أين؟


التعليم العالي .. الى أين؟

المشهد الأول:

الغرفة شبه مظلمة... هناك أربعة طالبات في الغرفة... حرارة الغرفة قريبة من الصفر... البرد قارس، الإضاءة مفصولة بسبب خطط توفير الطاقة... يدخل الدكتور الى الغرفة وهو متحمس لإلقاء ما بجعبته من علوم ومعارف... ولكنه يفاجأ بالموقف... تبهت تفاصيله... يقف لهنيهة ..يفكر بالموقف.. يحلل.. يتأمل... يتخذ قراره المصيري بمتابعة المشوار والبدء بالمحاضرة حسب الأصول. تسدل الستارة على مجموعة من الطالبات مع الدكتور يصارعون ظروف التعليم العالي القاسية للوصول الى راحة الضمير.

المشهد الثاني:

الطلاب والطالبات يتوافدون على القاعة بمعدل طالب لكل دقيقة. الدكتور منهمك في تجهيز شرائح العرض الالكترونية فخورا بمساقه المهم لمستقبل "جيل المستقبل". يستغرق تجهيز جهاز العرض خمسة دقائق... ينظر بعدها من فوق نظارته التي يستخدمها للقراءة... نظرة متفحصة للجمهور بعد عشرة دقائق.. العدد عشرة من أصل 50 طالب... ما هو القرار؟ يتخذ الدكتور قراره المصيري الثاني بمتابعة المحاضرة لأنه يرى أنه لا مجال لخسارة أية محاضرة من المساق وكل دقيقة مهمة. يبدأ محاضرته "المهمة" ولكن احد الطلاب يرفع يده مستفسرا: هذا دكتور مطلوب بالامتحان؟ قبل الإجابة يطرق أحد الطلاب الباب مستأذنا بالدخول. وفي زاوية الغرفة طالبة ترفع يدها وبحماسة، يسأل الدكتورالطالبة: ماذا تريدين؟ الاجابة مألوفة: ممكن دكتور أطلع (بيدها هاتف نقال سامسونغ أس 3 وتشير له بايماءة تعني وجود مكالمة مهمة ويجب أن تجيب عليها). الدكتور محتار ويفكر من يتصل بطالبة الساعة الثامنة صباحا؟ الاجابة كانت باتخاذ قرار مصيري ثالث، ألا وهو البدء بالمحاضرة وبدون النظر الى الحيثيات الجانبية، يمد الدكتور يده الى جيبه ويتناول حبة دواء (لا نعرف ما هي) ويبتلعها مسرعا...

المشهد الثالث:

تمر عشرة دقائق أخرى وقد بدت الغرفة شبه مليئة... هناك ستة وعشرون طالباً وطالبة في القاعة من أصل الخمسين... خلاص إستعنّا على الشقى بالله... تبدأ المحاضرة بشكل شبه جدي. ترفع إحدى الطالبات يدها وتسأل: دكتور متى الامتحان الثاني؟.. لإنه في عندي تعارض. القرار المهم .. هل نستسلم للأسئلة الادارية المهمة والتي ستستغرق خمسة الى عشرة دقائق والتي سوف تجرنا الى مطب التعارضات، وديباجة الامتحان صعب، إلغيلنا جزء من المادة، تصليحك شديد، موعد الامتحان، المواصلات، في بونص، علامات الامتحان الأول، غيرك أكيد بعاملنا أحسن منك، انت سفاح .. الخ. يثور الدكتور ويسأل فجأة طلبته: من يحمل كتاب المساق المعتمد، من اشتراه أصلاً؟ من يحمل حتى شرائح العرض؟ أو حتى دفتر لكتابة الملاحظات؟ من يحمل قلما، ورقة، آلة حاسبة... من يحمل حتى عقلاً اليوم؟ ينتهي المشهد على مجموعة من الطلبة تتهامس بينها وتعلو الأصوات على ثورة وتفاعل لم يسبق له مثيل.. السؤال المهم: هل هذا التفاعل احد مؤشرات نجاح التعليم العالي؟ يستنتج الدكتور أن ثورته العارمة كانت على الفئة المتميزة من الطلبة... يبدأ في التفكير بالطلبة الذين لم يحضروا حتى الآن...

المشهد الأخير:

الساعة الثامنة وأربعون دقيقة، ترفع إحدى الطالبات يدها وتطلب المغادرة لأن محاضرتها في مبنى الإقتصاد الجديد (البعيد). الدكتور لم يغطي إلا ثلاثة شرائح.. ملعونة محاضرة الساعة الثامنة... قتلت إبداعاتي (يتمتم الدكتور). آخر قرارات الدكتور الشجاع بأن يسمح للطلبة المغادرة اذا رغبوا ولكنه متسمّرا في مكانه يفكر بمصير المساق... مصير الجيل... مصير الأمة... بقيت عشرة دقائق... وبقي عليه أن يتناول حبة الكوليسترول... تسدل الستارة عليه وهو يلملم أوراقه ويغلق كمبيوتره ويغادر مشوشا حول مستقبل التعليم العالي...   

عماد أبو شنب

الأردن  -  16-4-2013