التعليم العالي .. الى أين؟
المشهد الأول:
الغرفة شبه مظلمة... هناك أربعة طالبات في الغرفة... حرارة الغرفة قريبة من
الصفر... البرد قارس، الإضاءة مفصولة بسبب خطط توفير الطاقة... يدخل الدكتور الى
الغرفة وهو متحمس لإلقاء ما بجعبته من علوم ومعارف... ولكنه يفاجأ بالموقف... تبهت
تفاصيله... يقف لهنيهة ..يفكر بالموقف.. يحلل.. يتأمل... يتخذ قراره المصيري
بمتابعة المشوار والبدء بالمحاضرة حسب الأصول. تسدل الستارة على مجموعة من
الطالبات مع الدكتور يصارعون ظروف التعليم العالي القاسية للوصول الى راحة الضمير.
المشهد الثاني:
الطلاب والطالبات يتوافدون على القاعة بمعدل طالب لكل دقيقة. الدكتور منهمك
في تجهيز شرائح العرض الالكترونية فخورا بمساقه المهم لمستقبل "جيل
المستقبل". يستغرق تجهيز جهاز العرض خمسة دقائق... ينظر بعدها من فوق نظارته
التي يستخدمها للقراءة... نظرة متفحصة للجمهور بعد عشرة دقائق.. العدد عشرة من أصل
50 طالب... ما هو القرار؟ يتخذ الدكتور قراره المصيري الثاني بمتابعة المحاضرة
لأنه يرى أنه لا مجال لخسارة أية محاضرة من المساق وكل دقيقة مهمة. يبدأ محاضرته
"المهمة" ولكن احد الطلاب يرفع يده مستفسرا: هذا دكتور مطلوب بالامتحان؟
قبل الإجابة يطرق أحد الطلاب الباب مستأذنا بالدخول. وفي زاوية الغرفة طالبة ترفع
يدها وبحماسة، يسأل الدكتورالطالبة: ماذا تريدين؟ الاجابة مألوفة: ممكن دكتور أطلع
(بيدها هاتف نقال سامسونغ أس 3 وتشير له بايماءة تعني وجود مكالمة مهمة ويجب أن
تجيب عليها). الدكتور محتار ويفكر من يتصل بطالبة الساعة الثامنة صباحا؟ الاجابة
كانت باتخاذ قرار مصيري ثالث، ألا وهو البدء بالمحاضرة وبدون النظر الى الحيثيات
الجانبية، يمد الدكتور يده الى جيبه ويتناول حبة دواء (لا نعرف ما هي) ويبتلعها
مسرعا...
المشهد الثالث:
تمر عشرة دقائق أخرى وقد بدت الغرفة شبه مليئة... هناك ستة وعشرون طالباً
وطالبة في القاعة من أصل الخمسين... خلاص إستعنّا على الشقى بالله... تبدأ
المحاضرة بشكل شبه جدي. ترفع إحدى الطالبات يدها وتسأل: دكتور متى الامتحان الثاني؟..
لإنه في عندي تعارض. القرار المهم .. هل نستسلم للأسئلة الادارية المهمة والتي
ستستغرق خمسة الى عشرة دقائق والتي سوف تجرنا الى مطب التعارضات، وديباجة الامتحان
صعب، إلغيلنا جزء من المادة، تصليحك شديد، موعد الامتحان، المواصلات، في بونص،
علامات الامتحان الأول، غيرك أكيد بعاملنا أحسن منك، انت سفاح .. الخ. يثور
الدكتور ويسأل فجأة طلبته: من يحمل كتاب المساق المعتمد، من اشتراه أصلاً؟ من يحمل
حتى شرائح العرض؟ أو حتى دفتر لكتابة الملاحظات؟ من يحمل قلما، ورقة، آلة حاسبة...
من يحمل حتى عقلاً اليوم؟ ينتهي المشهد على مجموعة من الطلبة تتهامس بينها وتعلو
الأصوات على ثورة وتفاعل لم يسبق له مثيل.. السؤال المهم: هل هذا التفاعل احد مؤشرات
نجاح التعليم العالي؟ يستنتج الدكتور أن ثورته العارمة كانت على الفئة المتميزة من
الطلبة... يبدأ في التفكير بالطلبة الذين لم يحضروا حتى الآن...
المشهد الأخير:
الساعة الثامنة وأربعون دقيقة، ترفع إحدى الطالبات يدها وتطلب المغادرة لأن
محاضرتها في مبنى الإقتصاد الجديد (البعيد). الدكتور لم يغطي إلا ثلاثة شرائح..
ملعونة محاضرة الساعة الثامنة... قتلت إبداعاتي (يتمتم الدكتور). آخر قرارات
الدكتور الشجاع بأن يسمح للطلبة المغادرة اذا رغبوا ولكنه متسمّرا في مكانه يفكر
بمصير المساق... مصير الجيل... مصير الأمة... بقيت عشرة دقائق... وبقي عليه أن
يتناول حبة الكوليسترول... تسدل الستارة عليه وهو يلملم أوراقه ويغلق كمبيوتره
ويغادر مشوشا حول مستقبل التعليم العالي...
عماد أبو شنب
الأردن - 16-4-2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق