الاثنين، 16 مارس 2015

مطلوب أغبياء



منذ الصباح وأنا أحاول ان أتخيل العالم بدون أغبياء...  ولكنني فشلت. يقول برتراند راسل: "لا يولد البشر أغبياء بل جهلة، ثم يجعلهم التعليم أغبياء" ومع أني أختلف مع راسل في مقولته ولكنني أقول أن الزخم الذي يشهده التعليم لا بد أنه قد حول العالم الى مجموعة كبيرة من الأغبياء. منذ الصباح وفكرة ارتباط التعليم مع الابداع تشغل تفكيري. فأنا أقول مادام التعليم والجامعات مصنع الأغبياء فلم يتعلم البشر؟ أقول أننا نبحث عن التميز في حياتنا لدرجة أننا نحقّر العموم. كما يقول البعض "كن مختلفا.. فالعالم لم يعد بحاجة الى المزيد من النسخ" فاننا نواجه دعوات للابداع وانا اود ان أطرح فرضية لا يمكن أن تحصل ولكن لو فرضنا تغيّر العالم وأصبح الجميع مُبدع (مصممي مواقع الكترونية باهظة الثمن كما هي قصة واتس أب الأخيرة وغيرها من الابداعات التي تذهلنا) فهل من المعقول أن يعيش هؤلاء المبدعون بسلام وبرخاء.. بالتأكيد لا.. فمالذي يميز المبدع إلا كونه مختلف عن العموم. ولكنني أقول ما الذي يميز العموم.. ومن هم العموم؟ العموم هم من عمل وكدح والتزم بدراسة جامعية، وبحراثة أرض، وببيع منتج .. كل هذا من اجل توفير لقمة العيش للأبناء المبدعين..

العموم في علم الإحصاء هم الشائع ... والشواذ (المتطرف من الحالات) يتم شطبه.. فلولا تميزه الشديد لما كان شاذا ولما ظهر من خلال العموم. المبدعون هم نسبة متضائلة وصغيرة جدا برزت من مجموعة كبيرة جدا من الفاشلين، والكادحين، والمواظبين على السلوك النمطي. تخيل العالم (به خمسة مليارات انثى) منهم أربعة مليارات هيفاء وهبي... من سينظر الى جارته التي تشبه هيفاء وهبي.. ولكن بالتأكيد ستكون نجمة الشباك هي أم عطية... لماذا حتى في أعظم الدول تقدما ما زالت الجامعات تقوم بدورها حتى الآن وبنفس النمط.

من هذا المنبر.. أوجه تحية لكل المبدعين الذين سطروا أسماءهم بحروف من ذهب.. الى المخترعين... والمكتشفين.. والعلماء... وغيرهم ..ولكن تحية أكبر الى أمي وأبي.. الى كل الكادحين في هذا العالم الذين يزرعون الأرز والقمح لنا لنأكل .. الى كل المعلمين الذين لم ييأسوا منا في المدارس ومن الراتب المتواضع الذي كانوا وما زالوا يتقاضونه (وان كانوا مضطرين لذلك). وتحية لهم فلولاهم لم يكن بالامكان ما كان.... ننظر للعالم ونعجب بمصمم ألعاب الكتروني أصبح مليونيرا في ليلة وضحاها.. مثله مثل فنانة يباع من أغنيتها مليون نسخة في الاسبوع الأول ومثلهم مثل رونالدو وميسي الذي يتقاضى شهريا أكثر من مليون دولار (مجموع رواتبي في خمسين عام...) ولكنهم قلة.. ولو كانوا كثر لما نجحوا... أتخيل لو أن الجامعات (ممثلة بنا نحن الأكاديميين) قد نجحت بعملها وقامت بتصدير جميع طلابها الى الحياة العملية ولكن برخصة مبدع.. فبالتأكيد ستجد لوحات الاعلانات مليئة بإعلان وحيد يحمل النص التالي "مطلوب أغبياء".. وبالتاكيد سيكون الراتب المدفوع أعلى من كل خريجي الجامعات المبدعين.     

في النهاية.. أرى أن من الخطورة ان نغذي شبابنا وشاباتنا على نجاحات الصدفة... وأقول: اذا انتشر الابداع.. فسيصبح وظيفة... واذا استمر ارتباط العلم بالجامعات فمن المستحسن ان نستغل هذه التجربة على أكمل وجه.. لا نستطيع أن ننكر جمالية الغباء.. فهو الأكثر أمنا على الصحة والأكثر قربا للساعدة والاطمئنان... مع الاحترام الشديد الى كل من ساهم في وصولنا الى ما نحن عليه... شكرا لوقتكم..

  عماد أبو شنب

الأردن  - 5-3-2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق